اقتصاد

نمو خجول تحت نيران الحرب وموازنة على قيد الحياة

مع بداية عام 2026، كان اللبنانيون يأملون في التقاط أنفاسهم بعد سنوات عجاف من الانهيار المالي غير المسبوق. المؤشرات الأولى بدت مشجعة نسبياً؛ إذ سجل الاقتصاد في العام المنصرم نمواً متواضعاً قارب 3.5% وفقاً لتقارير البنك الدولي، مدفوعاً بشكل أساسي بتحويلات المغتربين، وانتعاش نسبي في القطاع السياحي، وتأقلم السوق مع “الدولرة” الشاملة. لكن هذا التعافي الهش اصطدم سريعاً بواقع جيوسياسي وميداني أعاد خلط الأوراق بالكامل.

اليوم، يجد لبنان نفسه عالقاً بين كماشة حرب استنزاف قاسية وأزمة بنيوية لم تُعالج بعد. تشير التقديرات الاقتصادية الحديثة إلى أن البلاد تتكبد خسائر تتراوح بين 30 و50 مليون دولار يومياً نتيجة التصعيد العسكري المستمر، والذي شلّ أجزاء واسعة من الدورة الاقتصادية. القطاع السياحي، الذي كان يعوَّل عليه ليكون رافعة للنمو في 2026، تراجع بشكل حاد، وتراجعت معه آمال الاستثمار، ما يهدد بتبديد المكاسب الخجولة التي تحققت مؤخراً ودفع البلاد مجدداً نحو مربع الانكماش.

في موازاة هذا المشهد الميداني الضاغط، أقرت الدولة موازنة عام 2026 بقيمة تقارب 6 مليارات دولار. للوهلة الأولى، قد يبدو الرقم طبيعياً لدولة مأزومة، لكن عند مقارنته بموازنة عام 2018 التي بلغت نحو 17 مليار دولار، ندرك حجم الانكماش الهائل الذي أصاب الاقتصاد اللبناني، والذي تراجع ناتجه المحلي من 55 مليار دولار إلى نحو 31 ملياراً فقط. هذه الموازنة لا تحمل رؤية للنهوض أو خططاً لتمويل مشاريع البنية التحتية، بل صُممت حصراً لـ “إدارة الأزمة”؛ فنصفها تقريباً يذهب لدفع رواتب ومصاريف تشغيلية تبقي مؤسسات الدولة تعمل بالحد الأدن.

ورغم استقرار سعر الصرف الملحوظ منذ أواخر 2023، إلا أن هذا الهدوء النقدي يخفي خلفه جموداً قانونياً ومالياً. صندوق النقد الدولي، في أحدث تقييماته خلال الربع الأول من هذا العام، لا يزال يكرر رسالته الواضحة: لا تعافي مستداماً دون إصلاحات شاملة. المعضلة الأكبر تكمن في “الفجوة المالية” التي قُدرت بنحو 83 مليار دولار، وما زال الجدل السياسي يعرقل إقرار قوانين حاسمة مثل قانون إعادة هيكلة المصارف وتحديد مصير أموال المودعين. غياب هذه التشريعات يبقي القطاع المصرفي في حالة شلل تام، ويجعل الاقتصاد معتمداً بالكامل على التعاملات النقدية (الكاش)، بكل ما يحمله ذلك من مخاطر على الشفافية وتراجع لفرص التمويل.

في المحصلة، يعيش لبنان اليوم مرحلة انتقالية شديدة التعقيد. القطاع الخاص أثبت قدرة استثنائية على الصمود والتكيف مع غياب الدولة، والمغتربون لا يزالون يضخون شريان الحياة المالي لآلاف العائلات. لكن هذا النموذج من “النجاة اليومية” لا يبني اقتصاداً قادراً على المنافسة أو خلق فرص العمل. التحدي الحقيقي لعام 2026 لم يعد يقتصر على الصمود في وجه الحرب وتداعياتها المباشرة، بل يتعداه إلى القدرة على اتخاذ قرارات جريئة تعيد الثقة المفقودة، قبل أن يتحول هذا التعافي المؤقت إلى مجرد استراحة قصيرة تسبق انزلاقاً جديداً.