إذا قمت بزيارة بيروت اليوم، فهناك تفصيل صغير ولكنه جوهري سيلفت انتباهك فوراً عند الدفع في مطعم أو متجر. غابت البطاقات المصرفية وأجهزة الدفع الإلكتروني تقريباً، وحلت محلها رزم من الأوراق النقدية، وتحديداً الدولار الأمريكي. المشهد يبدو متناقضاً لبلد عُرف لعقود طويلة بأنه “مصرف الشرق الأوسط” وامتلك قطاعاً بنكياً كان يتباهى بقوته وتطوره، لكنه يعكس اليوم واقعاً اقتصادياً فرض نفسه بقوة، وهو التحول الكامل نحو “الاقتصاد النقدي” أو ما يُعرف محلياً باقتصاد الكاش.
لفهم كيف وصل الحال إلى هنا، يجب العودة بضع سنوات إلى الوراء عندما بدأت الأزمة المالية. في تلك الفترة، احتجزت المصارف ودائع المواطنين وفرضت قيوداً صارمة على سحب الأموال. النتيجة الطبيعية لذلك كانت انهيار جسر الثقة بين المواطن والبنك. أصبحت الحسابات المصرفية مجرد أرقام على الشاشات لا تعكس قوة شرائية حقيقية، وبات إيداع الأموال في البنك يُعتبر مخاطرة غير مبررة. أمام هذا الواقع المأزوم، كان على المجتمع أن يبتكر آلية للبقاء، فكان الحل هو العودة إلى الأساسيات: التعامل بالعملة الورقية الملموسة.
اليوم، تبدو دورة الحياة الاقتصادية في لبنان وكأنها تعمل خارج النظام المالي التقليدي بالكامل. رواتب القطاع الخاص تُدفع بمعظمها نقداً بالدولار، وفواتير المستشفيات وأقساط المدارس وحتى إيجارات المنازل تُسدد بالطريقة ذاتها. الشريان الأساسي الذي يغذي هذه الدورة هو التحويلات المالية التي يرسلها المغتربون اللبنانيون إلى عائلاتهم، والتي تقدر بمليارات الدولارات سنوياً. هذه الأموال لم تعد تمر عبر القنوات المصرفية المعتادة، بل عبر شركات تحويل الأموال أو تُحمل نقداً في حقائب السفر.
قد يعطي المشهد السطحي للمقاهي المزدحمة والأسواق المليئة بالمتسوقين انطباعاً بأن الاقتصاد قد تعافى، لكن هذا التعافي ظاهري ويمثل حالة من “التأقلم” وليس الحل. القطاع الخاص اللبناني أثبت مرونة استثنائية في تكييف أعماله مع غياب البنوك، وقام بتعديل أسعاره وهيكلة نفقاته ليحمي نفسه من تقلبات سعر الصرف. الناس بدورهم برمجوا حياتهم على أساس مدخولهم النقدي الشهري.
لكن خبراء الاقتصاد ينظرون إلى هذا التأقلم بحذر شديد، فبناء اقتصاد حديث ومستدام يستحيل أن يعتمد على “الكاش” فقط. غياب الدور الطبيعي للمصارف يعني غياب القروض والتسليفات، وهذا يقتل فرص النمو. الشاب الذي يطمح لتأسيس شركة صغيرة لا يجد جهة تموله، والعائلات لا تستطيع الحصول على قروض سكنية لشراء منازل، والمصانع تجد صعوبة بالغة في توسيع خطوط إنتاجها أو فتح اعتمادات للاستيراد عبر الطرق الرسمية.
علاوة على ذلك، يفرض الاقتصاد النقدي تحديات رقابية خطيرة. فعندما تتم الصفقات التجارية الكبرى نقداً وتُخزن الأموال في المنازل أو الخزائن الحديدية، يصبح من شبه المستحيل على الدولة تتبع حركة الأموال أو تحصيل الضرائب بشكل عادل، مما يضعف إيرادات الخزينة العامة ويزيد من مخاطر العزلة عن النظام المالي العالمي.
النموذج اللبناني الحالي يقدم دراسة حالة مثيرة للاهتمام حول قدرة المجتمعات على ابتداع آليات للنجاة حين تنهار مؤسسات الدولة ونظامها المالي. هو يثبت أن الحياة لا تتوقف، وأن الأسواق تجد دائماً طريقاً بديلاً للعمل. لكن في الوقت نفسه، يبقى هذا التأقلم مجرد مسكن للألم. العودة إلى مسار اقتصادي طبيعي ومنتج ستتطلب عاجلاً أم آجلاً مواجهة المهمة الأصعب، وهي إعادة هيكلة القطاع المالي وبناء العنصر المفقود الذي لا يمكن لأي اقتصاد أن ينمو بدونه: الثقة.

